الجمعة، 5 نوفمبر 2010

خصائص التفكير العلمي

(مدخل إلى الفلسفة العامة، الأستاذة: رحامنية)

1- دقة الصياغة: (تم شرحه في حصة سابقة).

2- التعميم: يمتاز العلم بأنه يجمع الأشياء المتشابهة في الصورة –والتي ربما تبدو مختلفة في المادة- تحت عنوان واحد، فالعالم عندما يدرس الجزيئات، فإنه يهدف من دراستها إلى التوصل إلى قانون كلي وعام تخضع له جميع الحالات التي درسها، والحالات الممكنة التي لم يشاهدها ولم يدرسها، وذلك لأن العلم لا يقوم إلا على ما هو كلي وعام، ليسمح لنا بالتنبؤ بكل حالة مشابهة للحالات التي عممناها إذا ما توفرت ظروف مماثلة للظروف التي وجدت فيها الحالات المشاهدة.
ولقد ذهب "جيوفنز" إلى القول بوجود نوعين رئيسيين من التعميمات يهدف العلم إلى الوصول إليهما:
أ‌- تعميمات تقوم بين الوقائع الجزئية بعد أن يكشف ما بينها من ارتباطات، وعن طريقها نصل إلى القوانين العلمية في العلوم التجريبية والدقيقة، أو إلى النتيجة في العلوم الاجتماعية والانسانية.
ب‌- تعميمات تقوم بين القوانين العلمية، فتوحد بين أكبر قدر منها في نظرية.
3- إمكانية اختبار الصدق: لا بد من أن تكون قضايا العلم قابلة لأن تختبر للتأكد من صدقها، أو أن يبرهن عليها برهانا عقليا أو تجريبيا، ويكون الاختبار في العلوم الرياضية والعقلية باشتقاقها، أو باستنباطها من مجموعة من القضايا الأولية التي تسمى مسلمات أو بديهيات؛ ويكون في العلوم الطبيعية بإخضاعها للتحقيق التجريبي.
إذن لا بد أن تكون قابلة للملاحظة والتجربة حتى نتأكد من عدم كونه مجرد فرض غير موضوعي، أو مجرد تخمين ذاتي، أو حكما قيميا (تقييميا) لا يحق للعالم أن يقدمه، فكل قضية غير قابلة للبرهان، أو التحقيق، أو الاختبار التجريبي ليست قضية علمية.
4- الثبات المطلق أو الثبات النسبي للصدق:يجب أن تكون القضية العلمية صادقة في جميع الظروف والمناسبات حتى تكون ثابتة الصدق، فيجب أن تصدق في كل مكان وزمان إذا توفرت ظروف مشابهة للظروف التي صدقت فيها للمرة الأولى، فإذا تمددت قطعة الحديد بالتسخين في زمان ومكان محددين، فلا بد أن تتمدد في جميع الأمكنة والأزمنة؛ أما القضية التي تصدق في حالة معينة، وتكذب في غيرها مع تماثل الظروف والمناسبات، فليست قضية علمية؛ إذن نقول أن ما يصدق في كل زمان ومكان هو حقيقة علمية، أو هو قانون عام يسمح بالتنبؤ، ففي حالة العلوم الطبيعية والدقيقة نجد قوانينها وحقائقها لا تتغير ولا تتبدل على الإطلاق، فمازالت الحقائق الرياضية التي عرفها البابليون، والمصريون القدامى، والصينيون، والهنود، واليونانيون مستخدمة في الرياضيات حتى يومنا هذا من غير أن يدخل عليها أي تغيير، وهذا ما يعرف بالثبات المطلق، أما العلوم الإنسانية والاجتماعية، فثباتها ليس دائما مطلقا، فبعض الحقائق تعيش لفترة قد تطول، وقد تقصر، ثم تتعرض بعده للسقوط والزوال والنسيان، أو للتعديل والتطوير نتيجة لما يكتشف، أو يخترع من وسائل للرصد والقياس وأدوات التجريب وإمكانيات التحكم، ولإدخال ظروف جديدة لم تراع من قبل، وكل هذا قد يؤدي إلى تغير النتائج.
5- الموضوعية (عكس الذاتية): هي التجرد والنزاهة، وتجنب الأحكام المسبقة، فيجب أن يدرك رجل العلم إدراكا غير متأثر بمصالحه الشخصية، أو بتطلعاته، أو بآرائه المسبقة، أو برغباته وميوله وأهوائه وتحيزاته، وأن يعكس في علمه العالَم (بالفتح) كما يعكسه الآخرون إذا نظروا إليه بمنظاره.
يجب على العالِم (بالكسر) أن لا يتدخل في الظاهرة التي يقوم بدراستها على نحو يجعله يصل إلى قانون يعبر عن أمانيه وتحيزاته وأفكاره المسبقة بدلا من أن يعبر عن الواقع الموضوعي الذي يدركه المشاهدون على نحو واحد تقريبا إذا اتصفوا بالنزاهة العلمية، وتجعلهم يدركون مع شيء من التفاوت ما يمكن أن تنقله لنا آلات التصوير، فالموضوعي هو ما يكون مشتركا بين جميع المشاهدين، والذاتي هو ما يختلف من فرد إلى آخر اختلافا جوهريا.
6- التحليل: يمتاز العالم عن الرجل العادي بمقدرته على التحليل، فجميع العلماء يحللون، للوصول إلى مقدمات النتائج، أو أسباب الظواهر والمشاكل، فعالم الرياضيات يحلل الأعداد والأشكال، وعالم الكيمياء يحلل المواد إلى عناصرها البسيطة، وعالم الاجتماع يحلل المشاكل للوقوف على أسبابها، وعالم النفس هو الآخر يستخدم التحليل للوقوف على أسباب المرض النفسي.
ويجب على العالم وهو يحلل أن يلاحظ ما بين الأجزاء، وما بينها وبين الكل، أو بينها وبين الموضوع الذي يقوم بتحليله من علاقات بنيوية ووظيفية، حتى يسهل عليه بعد ذلك أن يقوم بتركيب تدريجي يزداد تعقيدا باستمرار حتى يسهل عليه فهم الكل على نحو أفضل؛ فالتحليل ليس هدف العلم، بل هو وسيلة لتحقيق غاية وهي التركيب.
7- اتصال البحث: يبدأ العالم أبحاثه دائما من حيث انتهى العلماء السابقون، وعندما ينتهي هو يبدأ العلماء اللاحقون، وعلى هذا النحو يتطور العلم ويتقدم ويكون العلم متصلا، ومن أجل ذلك يجب على العالم أو الباحث أن يطلع على جميع البحوث العلمية التي تم إنجازها في مجال تخصصه، وعلى آخر ما وصل إليه العلماء حتى لا يبدأ من نقطة بدأ منها غيره، لأن ذلك لا يؤدي إلى تقدم العلم، وبذلك يختلف العالم عن الفيلسوف، فالعالم لا يهدم كل ما توصل إليه غيره ليبدأ هو من لا شيء أو من فراغ، بل يعمل على تطوير ما وصل إليه غيره، أو على إتمام ما عجز عنه غيره، أما الفيلسوف فهو ينتقد كل من سبقه من فلاسفة، فيهدم فلسفتهم ليبدأ فلسفته.
8- البناء النسقي (التنظيم): يمتاز العلم بأن حقائقه يرتبط بعضها ببعض في بناء نسقي،لأن العلم هو مجموعة حقائق معينة منظمة تنظيما يسمح لنا بأن نستنبط بعضها من بعض، وهذا ما يسمح لنا بالتنبؤ (الفروض)، فما التنبؤ إلا استنباط، وعليه فبدون هذا التنظيم النسقي لا يقوم علم، فمهما تكدست الحقائق فلن تكون علما، كما لا يكون تكدس الطوب والحجارة والأبواب بيتا، وعليه فإن العلم يمتاز بالتنظيم.


توثيق البحث العلمي

(المقياس: تقنيات القراءة والتحليل، الأستاذة: بونويقة)

هناك طرق مختلفة للبحث العلمي يمكن ملاحظتها من خلال استعراض الكتب والدوريات والرسائل الجامعية وغيرها؛ وتحدد بعض الدوريات أسلوب التوثيق الذي تعتمده ضمن معايير النشر لديها، وتنشره في صفحاتها الأولى والأخيرة، وتطلب من الباحثين الالتزام بها عند إرسال البحوث أو الدراسات، والجدير بالذكر أنه لا يهم الباحث اختلاف طرق التوثيق في البحوث والدراسات بقدر ما تهمه النقاط التالية:
‌أ- وضوح الطريقة وسهولتها.
‌ب- الالتزام في استعمالها خلال كامل البحث من بدايته حتى نهايته.
‌ج- شمولية المعلومات التي تقدمها الطريقة عن المصدر المستخدم، أو المقتبس منه.
والتوثيق عملية صعبة للغاية، لأنه من الصعب التفريق بين نقل المعلومات، أو الاستشهاد ببعض الفقرات، أو تعزيز وجهة نظر الباحث، أو التمهيد للفكرة الأصلية، فالباحث عندما يكتب يحاول أن يعطي انطباعا بأنه ملتزم بالموضوعية والأمانة العلمية في الاستعانة بآراء الآخرين لتدعيم وجهة نظره، لكنه في واقع الأمر يعبر عن آرائه ويدافع عن قيمه، ويستعرض الأفكار التي تبدو له مهمة، وبناء على كل ذلك فإن الموضوعية، والأمانة العلمية، والتحلي بروح الدقة، والصدق في معالجة الموضوع هي أشياء نسبية، لذلك يجب أن نولي اهتماما كبيرا بالإلمام بأصول البحث العلمي، وحسن استعمال الوثائق، والإشارة إلى المصادر التي أخذت منها الأفكار.
أهم الأساليب العلمية، والقواعد التقنية التي تستعمل في كتابة أي بحث نجملها في النقاط التالية:


I- الاقتباس:

يقصد بالاقتباس شكل الاستعانة بالمصادر والمراجع التي يستفيد منها الباحث لتحقيق أغراض بحثه، فعندما يكتب الباحث يحاول أن يستشهد بما قاله بعض الكتاب حول موضوعه، سواء كان ذلك بقصد تدعيم حججه ومواقفه، أم لإظهار وجهة نظر أخرى مخالفة لرأيه، وفي كلتا الحالتين لا بد من الإشارة إلى المصدر والاعتراف بأن صاحب هذه الفكرة هو الباحث الفلاني في دراسته أو كتابه الفلاني، وبهذه الطريقة يستطيع الباحث أن يثبت نزاهته وكفاءته العلمية.وينسجم الاقتباس مع الطبيعة التراكمية للبحث العلمي، حيث تتولد المعرفة الإنسانية، وتنمو، وتتكاثر وتنتشر من خلال جهود مترابطة ومتواصلة يبذلها الباحثون، وبالتالي فإن الاقتباس يعزز التواصل والاستمرارية في البناء التكاملي للمعرفة والعلم.
ومن أهم الوظائف التي تعكس أهمية الاقتباس نذكر ما يلي:

1- التأصيل العلمي والموضوعي للأفكار والآراء من خلال التعرف على الأفكار السابقة في الموضوع وأصحابها، وتقييم هذه الأفكار.
2- التفاعل بين الباحثين، وتوليد أفكار جديدة من خلال النقاش، والتحليل، وتبادل الآراء مهما انسجمت أو تناقضت مع بعضها.
3- تجميع مختلف الآراء حول موضوع الدراسة بقصد التمحيص والتعرف على الجوانب المختلفة، وكذا التعرف على نقاط القوة والضعف، وبالتالي الوصول إلى معرفة أفضل حول الموضوع.
4- الوفاء بمتطلبات وقواعد البحث العلمي.

والاقتباس قد يكون حرفيا، أي بأخذ الكتابة كما وردت، كلمة بكلمة، وقد يكون اقتباسا غير مباشر، وفي هذه الحالة يكون الاقتباس للفكرة وليس للكلمات نفسها؛ وبالنسبة للاقتباس الحرفي، لا بد أن نميز بين الاقتباس الذي يقل عن أربعة أسطر، والاقتباس الذي يقل عن أربعة أسطر، ففي الحالة الأولى لا بد أن يكتب الباحث الأسطر المقتبسة بما يظهر بوضوح أنها ليست من إنتاجه، ويشترط في هذه الأسطر أن تكون في وسط الصفحة، والسطور قريبة من بعضها البعض؛ وفي بعض الأحيان يكون الاقتباس شبه متقطع، أي أن جملا مأخوذة من مقطعين مختلفين، وفي هذه الحالة لا بد من وضع بعض النقاط في السطر للإشارة إلى ذلك.

II- الإشارة إلى المصادر:

هناك ثلاث طرق رئيسية مستخدمة في البحوث والدراسات العلمية، وهي على النحو التالي:
1- الترقيم المتسلسل لكل المصادر في جميع صفحات البحث، وتجميعها في نهاية البحث حسب ترتيبها في المتن.
2- الترقيم المتسلسل لكل صفحة على حدة، مع ذكر المصادر في أسفل الصفحة نفسها.
3- طريقة جمعية علم النفس الأميركية، وفيها يتم وضع اسم عائلة (اللقب) المؤلف، والسنة التي صدر فيها الكتاب، والصفحة التي أخذ منها النص في نهاية كل اقتباس ( مثلا: (الجابري، 1995، ص:90))؛ ويجب جمع المصادر وترتيبها هجائيا في نهاية البحث.