السبت، 27 نوفمبر 2010

كيف ننمي التفكير العلمي؟

المقياس: مدارس ومناهج، الأستاذ: جغلولي، شكر خاص للطالبة: إيمان م.      
  التفكير العلمي عملية متكاملة، ننظر فيها إلى الموقف أو المشكلة المطروحة نظرة كلية لجميع عناصرها، ودراسة سائر الاحتمالات والظروف التي تؤثر فيها، فكل هذه المراحل والخطوات قابلة للمراجعة والتحقق، بمعنى أن النتائج قابلة للتعديل والتطوير.
1)    مقومات التفكير العلمي:
أ-    الإمبريقية التي يقوم بها التفكير العلمي، من خلالها نقوم باستخدام معطيات حسية (أي ما نشاهده أو نسمعه أو نلمسه...)، فعن طريق عملية استقراء الظاهرة نمارس عملية الاستدلال، تليها طريقة الاستنباط، ومن خلا ل التشكيك والتساؤل كوسيلتين أساسيتين في التفكير وكذا الملاحظة ودراسة عدد من الحالات يتمكن الباحث من الحصول على تفسيرات واقعية حول الظاهرة.
ب-    مهارات التفكير: وهي نشاط عقلي يمارسه الفرد، وبواسطته يكسب المعلومات، ويحل المشكلات المطروحة ويتخذ القرارات، من هذه المهارات: دقة الملاحظة، التساؤل، المقارنة، التحليل، التفسير؛ ويتضمن استخدام هذه المهارات أن يتساءل الشخص: لم أقوم بهذا العمل؟... ماذا سأفعل؟... متى سأفعل؟... ما الأدوات اللازمة؟... ما هو الوقت؟... كيف أفعل؟... ما هي مراحل البحث؟...
ج-      سمات الشخصية (خصائص الشخصية): يتميز كل من يستخدم التفكير العلمي بالكفاءة وحب الاستطلاع، والنضج العقلي، والشغف بحل المشكلات وبفحص المتناقضات والمثابرة، والموضوعية، ومرونة الفكر (تقبل النقد)، والنظام، والواقعية، وقبول الاحتمالات ودراستها.
2)      تنمية التفكير العلمي: يمكن لنا تنمية التفكير العلمي عن طريق:
‌أ-        التسليم بمبدأ السببية، أي الإيمان بأن لكل ظاهرة أسبابها الموضوعية التي يمكن الكشف عنها عن طريق الملاحظة والتجريب.
‌ب-    التسليم بمبدأ أن الحقائق والقوانين العلمية مستقلة عن الإنسان، ولا تتأثر بذاتية الباحث، وأنها موجودة بصرف النظر عن رغبات الإنسان.
‌ج-      التسليم بأن محك الحقيقة العلمية هو التجربة والملاحظة والموضوعية.
‌د-       التركيز على مهارات (عمليات) العلم التي يمكن للباحث استخدامها في حل المشكلات.
‌هـ-        التركيز على أثر العلم والتقنية في حياة الإنسان.
‌و-       الابتعاد عن أسلوب التلقين والحشر، وإعطاء فرصة للمناقشة والتساؤل العلمي.
‌ز-      التركيز على الكيف والكم في المواد العلمية.
‌ح-      الربط بين الدراسة النظرية والميدانية.
‌ط-     ربط الحقائق والمفاهيم العلمية بالخبرات السابقة، وبظروف البيئة المحيطة.
‌ي-     التدريب على طرح الأسئلة.
3)      خطوات التفكير العلمي: يعتبر التفكير العلمي منهاجا يستند على الجانب النظري والعملي، هذه الخطوات لا بد للباحث أن يمر بها في أي دراسة تتطلب حلا لمشكلة معينة.
أ‌-   الإطار النظري:
- اختيار المشكلة وتعريفها.
- محاولة الباحث وصف العلاقة بين مشكلة البحث المطروحة والإطار النظري الأشمل لها.
- قيام الباحث بصياغة الفروض المبدئية التي يتصور أنها تساعده على حل المشكلة المطروحة.
            ب- الإطار العملي (الميداني):
- إعداد الباحث التصميمات لتجربة بحثه.
- تحديد العينات التي تتخذ أساسا لجمع البيانات.
- إختيار الباحث أدوات لجمع المعطيات المطلوبة.
- يعد الباحث دليلا للعمل قبل النزول إلى الميدان.
- تتم عملية التحليل للنتائج المتحصل عليها من الميدان.
- تفسير تلك النتائج.
- عرض المعارف التي تم التحصل عليها من خلال التقرير النهائي للبحث.
4)  معوقات التفكير العلمي:
- قبول ما يتلقاه الباحث دون مناقشة أو تساؤل.
- السلطة الفكرية والعلمية يمكن أن تكون عائقا، فكثير من الناس يؤمنون بأن الحقيقة تكون عند الحكماء أو الأشخاص الذين لديهم خبرة أو دراية في ميدان معين.
- التعصب للرأي، وهو الرأي الذي يعتقد أن الحقيقة عنده فقط، وأن الآخر يفتقد لها.
              - الإعلام، فوسائل الإعلام يمكن أن تكون عائقا لعملية التفكير العلمي        خاصة عندما تتناقض مع الموضوعية.

العلم والتفكير العلمي

المقياس: مدارس ومناهج، الأستاذ: جغلولي، شكر خاص للطالبة: إيمان م.
تمهيد: كما أشرنا سابقا، فإن ما توصل إليه الإنسان هو فعل معرفي تتحدد ماهيته من خلال الأدوات والوسائل التي تم بها هذا الفعل في تفسيره لقوانين الطبيعة، والسلوكات والممارسات الثقافية المختلفة.
I-   مفهوم التفكير العلمي: هو أسلوب منظم في معالجة المشاكل (طبيعية، أو اجتماعية)، وهو يختلف عن الأسلوب العام، يتطلب في معالجته لتلك المشكلات قدرا من الالتزام بطريقة منظمة للتفكير، يمكن من خلاله التمييز بين تفكير الفرد العادي، وتفكير العالم أو الباحث، فالأول لا يحتاج إلى التقيد بأسلوب منظم ومعقول في مواجهة مشكلة معينة، في حين أن الثاني يلتزم باتباع مناهج وأساليب متخصصة وفقا لقواعد موضوعية.
II-   أسس التفكير العلمي:
1.       كل ظاهرة أو حادثة، لا يمكن أن تقع مصادفة، بل لا بد أن تكون هناك عوامل معينة ساهمت في حدوثها.
2.       لا يمكن الجمع بين الشيء ونقيضه في نفس الوقت.
3.       الظاهرة إما أن تكون موجودة، أو غير موجودة.
4.       أساس التفكير العلمي عدم الجمع بين التناقضات.
5.       تفسير أي ظاهرة أو حادثة لا يمكن أن يخضع لحس ( لحدس؟)، بل يعتمد على البحث المنظم الذي يعبر عنه باستخدام قواعد وأسس تسعى إلى تشخيص أساليب حدوث تلك الظواهر.

إن كل ما سبق يقودنا إلى فعل معرفي جديد يسمى العلم.
III-    تعريف العلم:
1.       هو كل معرفة تم التوصل إليها باستخدام المنهج العلمي للبحث.
2.       هو مجرد كيان من المعارف المنظمة بشكل مفيد تم التوصل إليها باستخدام المنهج العلمي.
نستنتج من التعريفين السابقين شيئين:
- أن العلم مجموعة من المعارف المنظمة.
- أن العلم يمكن الوصول إليه عن طريق المنهج العلمي، لهذا فهو تعبير عن طريقة لحل الإشكاليات المعرفية للإنسان مبنية على محاولات التوصل إلى نتائج وفق مبادئ عامة (نظرية مفسرة) حول ظاهرة بعينها، ثم استخلاصها من مشاهدات إنبريقية (واقعية) مصاغة بطريقة تسمح باختبارها من طرف أي شخص له الكفاءة العلمية لذلك.
IV-   أهمية العلم: للعلم أهمية كبيرة في تنظيم حياة الإنسان، حيث بالتفكير العلمي نصل إلى الأفكار المنظمة، والمرتبة، والمضبوطة، والمحددة لموضوع معين بغية تغطية (تفسير) موضوع ما، لأن ما توصل إليه الإنسان في أي دراسة علمية يشترط فيه اكتشاف حقائق كانت غائبة عنه، فحل هذه المشاكل يؤدي إلى اكتشاف مبادئ، وقواعد، ونظريات، ومناهج، واتجاهات، وفلسفات التفكير العلمي، لحل تلك المشاكل، وبالتالي يحافظ على النسق التطوري لحياته في كل الميادين.
V-   أهداف العلم:
1-      دراسة نسق الكون، والوجود، والصيرورة التاريخية.
2-      معرفة الحقائق التي لم يتوصل إليها الفرد.
3-      دراسة مختلف الظواهر الطبيعية، والإنسانية، والكشف عن الحقائق التي ترتبط به بغية التوصل إلى الحكم في الظواهر المحيطة بالإنسان.
4-      زيادة معرفة الإنسان بمختلف مظاهر الحياة.
5-      إعطاء الإنسان القدرة على التحكم في الظواهر الاجتماعية والإنسانية، والتكيف معها.
VI-   مميزات العلم:
أ-  الموضوعية: وتعني الغياب الكامل لذاتية الباحث في عقله العلمي، وأحكامه واستنتاجاته.
ب-    الوضعية: وهي نقيض الغيبيات (الميتافيزيقا) التي تعني البحث فيما وراء الطبيعة، أما الوضعية فتعني الانشغال بالمواضيع والمسائل التي يمكن أن نصل إليها مباشرة، وهي موجودة كواقع عيني، أو واقع ذهني، فالعلم استقرائي، أو استنباطي، أو استنتاجي.
ج-      العلم التقريري: هو عمل فكري، وآلية عقلية نقيضها التعميم الذي هو في الأصل عمل ذاتي له أسس نفسية أكبر منها ذهنية، فالتقرير .... (؟) إلى الموضوعية، ويتحرى الوضعية.
‌د-       التحليل: أي يطلب من الباحث الكشف عن العلاقات السببية الموجودة بين الظواهر، فالمعرفة الصحيحة تكون بواسطة العلل.
هـ -  الواقعية: هي عمل فكري موضوعي بعبد عن الامتدادات الذاتية، وضعي بعيد عن الميتافيزيقا، وتقريري بعيد عن التقييمات الشخصية، وتحليلي بعيد عن الوصفي الانفعالي، فهذه المعرفة من السهل تحويلها إلى حقائق فعلية، وواقع ملموس.
و-  الدقـــة: فالضبط أو الدقة، تكون في المفاهيم والتساؤلات، والفروض والتجارب، والاستنتاجات والتعميمات.
ز-  التعميم: فالتفكير العلمي مبني على خطوات البحث العلمي، فنتائجه قابلة للتعميم على الحالات المماثلة التي أجريت عليها الدراسة.
ح-  التراكمية: بمعنى أن كل باحث يبدأ دائما من حيث انتهى الآخرون، فيضيف حقيقته، أو بعض الحقائق العلمية.
VII-  وظائف العلم:
‌أ-  الاكتشاف: يكشف العلم عن كل ما هو غير معروف للإنسان.
‌ب-   التعيين: وضع قوانين تحكم الظاهرة.
ج-     الضبط: أي ضبط أسباب الظواهر وأبعادها وطبيعتها، ونوع وقوة التأثير فيما بينها.
د-  التحكم: يتحكم العلم في مختلف الظواهر عن طريق معرفة العلاقات والتأثير المتبادل بين الظواهر وعواملها وظروفها.
هـ- التنبؤ: يتنبأ العلم بحدوث الظواهر بعد معرفة أسباب حدوثها وتطورها، و(يعطي) الحلول في التكيف معها.
و- الابتكار: أي الابداع في تكييف الظواهر المعقدة بما يخدم الإنسان.
VIII- المعرفة العلمية والبحث العلمي:
تعتبر المعرفة العلمية هدفا، والبحث العلمي هو الوسيلة، فعن طريق البحث العلمي تتحقق المعرفة العلمية بالمعنى الصحيح، إذ يستخدم البحث العلمي كوسيلة للوصول إلى الهدف الذي هو تحقيق المعرفة العلمية.

المحاضرة الأولى: المعرفة

مدارس ومناهج، الأستاذ: جغلولي (شكر خاص للطالبة: إيمان م.)
I-        تعريف المعرفة: هي كامل أرصدة الإنسان من المعلومات والمفاهيم، والآراء، والخبرات، والمعتقدات، والانطباعات، والتصورات الذهنية التي تعتبر المرجع الأساسي له في التعامل مع متطلبات الحياة؛ ومن هنا نجد نوعين من المعرفة:
أ‌-    المعرفة العامية: وهي التي يحصل عليها الإنسان عن طريق حياته اليومية ومعاشرته الأفراد الآخرين، وهذه المعرفة بسيطة.
ب‌-    المعرفة العلمية: وهي المعرفة المبنية على الدراسة والتحليل والتعليل لمختلف الظواهر، فهي ما يربط الأشياء والظواهر في علاقتها السببية.
II-      مراحل الحصول عليها:
1)      مرحلة الحسية والخبرة الذاتية: ما تزال قائمة بيننا، يعجز الإنسان من خلالها عن تفسير كل المواقف التي تعترضه، وتنطبق هذه المرحلة على مرحلة طفولة العلم، حينما كان يحاول الإنسان أن يجد حلا دون أن يستطيع التحرك بطريقة منظمة.
2)      مرحلة مصادر الثقة والتقاليد السائدة: كالاعتماد على الحكام في تعليل بعض الظواهر (مثل الاعتماد على رجال الدين).
3)      مرحلة التأمل والحوار: أي التدليل العقلي والمنطقي قصد التوصل إلى تفسيرات عقلية لظواهر معينة باتباع عمليات استدلالية واستنتاجية يعتمد أساسها على المقياس المنطقي.
4)      مرحلة العلم والتحقيق العلمي:أي مرحلة وضع الفروض وإجراء التجارب، ثم إصدار النتائج، وتعتبر هذه المرحلة أكثر دقة إذ أمكن تحويل المعلومات إلى تعبيرات كمية.
III-    طرق الحصول على المعرفة:
1)      السلطة: هي أحد مصادر المعرفة يلجأ إليها الإنسان البدائي مثلا لرئيس بلدية (سلطة قبلية) من أجل الاستفسار عن كل ما يعترضه خلال حياته اليومية.
2)      التقاليد: قد تستمد المعرفة من تقاليد ثقافة المجتمع، مثل طريقة اللباس، الحديث، الطعام، السلوكات اليومية، طريقة العيش.
3)      آراء الخبراء: يلجأ الأفراد إلى الخبراء للاسترشاد بآرائهم تجاه موضوع معين، باعتبار أن لهم قدرة معرفية تميزهم عن غيرهم.
4)      الخبرة الشخصية: تعتبر إحدى الطرق الشائعة في الوصول إلى المعرفة، فكثير من الأفراد تواجههم مشكلات يسعون إلى حلها عن طريق فترات شخصية مروا بها.
5)      التفكير الاستبطاني: هو وسيلة للدخول إلى المعرفة، فيه يرى الفرد أن ما يصدق على الكل يصدق على الجزء، باعتبار أن الجزء يقع منطقيا في إطار الكل، ولهذا الغرض تستعمل طريقة القياس.
6)      التفكير الاستقرائي: وهو أهم الطرق للحصول على المعرفة، ويكمل التفكير الاستبطاني في البحث عن المعرفة، وفي هذا النوع من التفكير تبدأ ملاحظات الباحث، ومن خلالها يتوصل إلى نتائج يمكن تعميمها على الكل.
7)      المنهج العلمي: هو أحد طرق الحصول على المعرفة، وهو يتضمن الملاحظة العلمية، وفرض الفروض، وإجراء التجارب، واستخدام أساليب القياس والتحليل الإحصائي، والتحقق من صحة الفرضيات.

السبت، 13 نوفمبر 2010

خطوات المنهج العلمي


(مدخل إلى الفلسفة العامة، الأستاذة: رحامنية)
 I-        مرحلة البحث:
1-      الملاحظة:
أ‌-        مفهومها: هي المشاهدة الدقيقة للظواهر الموجودة في الطبيعة، وتقوم على التوجه إلى الشيء في يقظة وانتباه للإطلاع عليه كما هو دون تبديل أو تغيير؛ ويفرق 'كلود برنارد' بين الملاحظة والتجربة، حيث يقول:'إن المجرب لا يشاهد الظواهر كما هي عليه في الطبيعة، بل يشاهدها في ظروف يهيئها هو بنفسه، أي يحدثها لغاية معينة'، لذلك كانت التجربة عنده 'ملاحظة محدثة'.
ب‌-    التمييز بين الملاحظة العادية والملاحظة العلمية: تحدث الملاحظة العادية دون قصد أو تعمد، ودون منهج أو خطة، كما أنها تحدث في كل وقت طالما أن حواسنا سليمة، وهي أيضا ملاحظة سريعة يقوم بها الفرد في حياته اليومية العادية دون أن يرمي إلى تحقيق غاية نظرية، أو الكشف عن حقيقة علمية، كما أن الملاحظة العادية لا تعتمد على فكر عميق يتخطى المتطلبات النفعية العلمية، ولا تحاول أن تبحث عن أسباب الأشياء، أما الملاحظة العلمية فهي ملاحظة منهجية يقوم بها الباحث بصبر للكشف عن تفاصيل الظواهر وعن العلاقات الخفية التي توجد بين عناصرها، أو بينها وبين الظواهر الأخرى؛ وهي تتميز عن الملاحظة العادية بالدقة، ووضوح الهدف الذي يريد تحقيقه، كما تتميز بأنها تقوم بتسجيل وقياس الظاهرة المدروسة، على عكس الملاحظة العادية.
ت‌-    التمييز بين الملاحظة والملاحظة بواسطة الآلات: الملاحظة البسيطة هي كل مشاهدة لا تعتمد إلا على الحواس العادية، (وبعض الظواهر ليست) تحت طائلة حواس الإنسان بسبب صغرها، أو بعدها، أو سرعتها، أو بطئها الشديدين، فوجب إذا أن نستخدم الآلات العلمية الدقيقة التي تزيد من قوة الحواس ودقتها وقدرتها على الإحساس بما لم تكن قادرة عليه بدون هذه الآلات، وكل علم من العلوم يستحدث لنفسه الوسائل والأدوات التي تساعده على فهم وتفسير، واستخلاص القوانين، فالآلات العلمية إذا تختلف باختلاف العلوم.
ث‌-    التمييز بين الملاحظة الكيفية والملاحظة الكمية: يتجه العلم الحديث إلى تحويل الكيف إلى كم (الكم عكس الكيف) بناء على أن ما هو محدد كميا يكون أكثر دقة، وأكثر يقينا، ومن هنا نجد أن كثيرا من العلوم تسعى إلى التعبير عن قضاياها وقوانينها على نحو رياضي كمي، ويقصد بالملاحظة الكيفية الاقتصار على ملاحظة الصفات، والاكتفاء بالوصف، أما الملاحظة الكمية فهي تلك الملاحظة المصحوبة بتقدير عددي يشير مثلا إلى وزن، أو سرعة، أو درجة حرارة أو غير ذلك.


يتبع....

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

خصائص التفكير العلمي

(مدخل إلى الفلسفة العامة، الأستاذة: رحامنية)

1- دقة الصياغة: (تم شرحه في حصة سابقة).

2- التعميم: يمتاز العلم بأنه يجمع الأشياء المتشابهة في الصورة –والتي ربما تبدو مختلفة في المادة- تحت عنوان واحد، فالعالم عندما يدرس الجزيئات، فإنه يهدف من دراستها إلى التوصل إلى قانون كلي وعام تخضع له جميع الحالات التي درسها، والحالات الممكنة التي لم يشاهدها ولم يدرسها، وذلك لأن العلم لا يقوم إلا على ما هو كلي وعام، ليسمح لنا بالتنبؤ بكل حالة مشابهة للحالات التي عممناها إذا ما توفرت ظروف مماثلة للظروف التي وجدت فيها الحالات المشاهدة.
ولقد ذهب "جيوفنز" إلى القول بوجود نوعين رئيسيين من التعميمات يهدف العلم إلى الوصول إليهما:
أ‌- تعميمات تقوم بين الوقائع الجزئية بعد أن يكشف ما بينها من ارتباطات، وعن طريقها نصل إلى القوانين العلمية في العلوم التجريبية والدقيقة، أو إلى النتيجة في العلوم الاجتماعية والانسانية.
ب‌- تعميمات تقوم بين القوانين العلمية، فتوحد بين أكبر قدر منها في نظرية.
3- إمكانية اختبار الصدق: لا بد من أن تكون قضايا العلم قابلة لأن تختبر للتأكد من صدقها، أو أن يبرهن عليها برهانا عقليا أو تجريبيا، ويكون الاختبار في العلوم الرياضية والعقلية باشتقاقها، أو باستنباطها من مجموعة من القضايا الأولية التي تسمى مسلمات أو بديهيات؛ ويكون في العلوم الطبيعية بإخضاعها للتحقيق التجريبي.
إذن لا بد أن تكون قابلة للملاحظة والتجربة حتى نتأكد من عدم كونه مجرد فرض غير موضوعي، أو مجرد تخمين ذاتي، أو حكما قيميا (تقييميا) لا يحق للعالم أن يقدمه، فكل قضية غير قابلة للبرهان، أو التحقيق، أو الاختبار التجريبي ليست قضية علمية.
4- الثبات المطلق أو الثبات النسبي للصدق:يجب أن تكون القضية العلمية صادقة في جميع الظروف والمناسبات حتى تكون ثابتة الصدق، فيجب أن تصدق في كل مكان وزمان إذا توفرت ظروف مشابهة للظروف التي صدقت فيها للمرة الأولى، فإذا تمددت قطعة الحديد بالتسخين في زمان ومكان محددين، فلا بد أن تتمدد في جميع الأمكنة والأزمنة؛ أما القضية التي تصدق في حالة معينة، وتكذب في غيرها مع تماثل الظروف والمناسبات، فليست قضية علمية؛ إذن نقول أن ما يصدق في كل زمان ومكان هو حقيقة علمية، أو هو قانون عام يسمح بالتنبؤ، ففي حالة العلوم الطبيعية والدقيقة نجد قوانينها وحقائقها لا تتغير ولا تتبدل على الإطلاق، فمازالت الحقائق الرياضية التي عرفها البابليون، والمصريون القدامى، والصينيون، والهنود، واليونانيون مستخدمة في الرياضيات حتى يومنا هذا من غير أن يدخل عليها أي تغيير، وهذا ما يعرف بالثبات المطلق، أما العلوم الإنسانية والاجتماعية، فثباتها ليس دائما مطلقا، فبعض الحقائق تعيش لفترة قد تطول، وقد تقصر، ثم تتعرض بعده للسقوط والزوال والنسيان، أو للتعديل والتطوير نتيجة لما يكتشف، أو يخترع من وسائل للرصد والقياس وأدوات التجريب وإمكانيات التحكم، ولإدخال ظروف جديدة لم تراع من قبل، وكل هذا قد يؤدي إلى تغير النتائج.
5- الموضوعية (عكس الذاتية): هي التجرد والنزاهة، وتجنب الأحكام المسبقة، فيجب أن يدرك رجل العلم إدراكا غير متأثر بمصالحه الشخصية، أو بتطلعاته، أو بآرائه المسبقة، أو برغباته وميوله وأهوائه وتحيزاته، وأن يعكس في علمه العالَم (بالفتح) كما يعكسه الآخرون إذا نظروا إليه بمنظاره.
يجب على العالِم (بالكسر) أن لا يتدخل في الظاهرة التي يقوم بدراستها على نحو يجعله يصل إلى قانون يعبر عن أمانيه وتحيزاته وأفكاره المسبقة بدلا من أن يعبر عن الواقع الموضوعي الذي يدركه المشاهدون على نحو واحد تقريبا إذا اتصفوا بالنزاهة العلمية، وتجعلهم يدركون مع شيء من التفاوت ما يمكن أن تنقله لنا آلات التصوير، فالموضوعي هو ما يكون مشتركا بين جميع المشاهدين، والذاتي هو ما يختلف من فرد إلى آخر اختلافا جوهريا.
6- التحليل: يمتاز العالم عن الرجل العادي بمقدرته على التحليل، فجميع العلماء يحللون، للوصول إلى مقدمات النتائج، أو أسباب الظواهر والمشاكل، فعالم الرياضيات يحلل الأعداد والأشكال، وعالم الكيمياء يحلل المواد إلى عناصرها البسيطة، وعالم الاجتماع يحلل المشاكل للوقوف على أسبابها، وعالم النفس هو الآخر يستخدم التحليل للوقوف على أسباب المرض النفسي.
ويجب على العالم وهو يحلل أن يلاحظ ما بين الأجزاء، وما بينها وبين الكل، أو بينها وبين الموضوع الذي يقوم بتحليله من علاقات بنيوية ووظيفية، حتى يسهل عليه بعد ذلك أن يقوم بتركيب تدريجي يزداد تعقيدا باستمرار حتى يسهل عليه فهم الكل على نحو أفضل؛ فالتحليل ليس هدف العلم، بل هو وسيلة لتحقيق غاية وهي التركيب.
7- اتصال البحث: يبدأ العالم أبحاثه دائما من حيث انتهى العلماء السابقون، وعندما ينتهي هو يبدأ العلماء اللاحقون، وعلى هذا النحو يتطور العلم ويتقدم ويكون العلم متصلا، ومن أجل ذلك يجب على العالم أو الباحث أن يطلع على جميع البحوث العلمية التي تم إنجازها في مجال تخصصه، وعلى آخر ما وصل إليه العلماء حتى لا يبدأ من نقطة بدأ منها غيره، لأن ذلك لا يؤدي إلى تقدم العلم، وبذلك يختلف العالم عن الفيلسوف، فالعالم لا يهدم كل ما توصل إليه غيره ليبدأ هو من لا شيء أو من فراغ، بل يعمل على تطوير ما وصل إليه غيره، أو على إتمام ما عجز عنه غيره، أما الفيلسوف فهو ينتقد كل من سبقه من فلاسفة، فيهدم فلسفتهم ليبدأ فلسفته.
8- البناء النسقي (التنظيم): يمتاز العلم بأن حقائقه يرتبط بعضها ببعض في بناء نسقي،لأن العلم هو مجموعة حقائق معينة منظمة تنظيما يسمح لنا بأن نستنبط بعضها من بعض، وهذا ما يسمح لنا بالتنبؤ (الفروض)، فما التنبؤ إلا استنباط، وعليه فبدون هذا التنظيم النسقي لا يقوم علم، فمهما تكدست الحقائق فلن تكون علما، كما لا يكون تكدس الطوب والحجارة والأبواب بيتا، وعليه فإن العلم يمتاز بالتنظيم.